ابن قيم الجوزية
327
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه فعلم أن الشيخ قد أصيب . ودخل رجل على داوود الطائي في فراشه فرآه يرجف فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون فقال : مه لا تعلم بهذا أحداً وقد أقعد قبل ذلك أربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد . وقال مغيرة : شكى الأحنف إلى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه فقال : ما تكرر على لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد . [ فصل ] ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع ورود المصيبة والمنع عد ورود النعمة قال تعالى : ( إِنَ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعا إِذا مَسَهُ الشَر جزوعا وإِذا مَسَهُ الخَيرُ مَنوعا ) وهذا تفسير الهلوع . قال الجوهري : الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع . وفي الحديث : ( شر ما في العبد : شح هالع وجبن خالع ) . قلت : هنا أمران : أمر لفظي وأمر معنوي : فأما اللفظي فإِنه وصف الشح بكونه هالعاً والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإِنه لا يتعدى ففيه وجهان : أحدهما : أنه على النسب كقولهم : ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ونوم عاصف كله عند سيبويه على النسب ، أي ذو كذا كما قالوا نأمر ولابن . والثاني : أن اللفظة غير عن بابها للازدواج مع خالع . . وله نظير .